محمد بن جرير الطبري

378

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

مثله ، فيقدرَ محمد على أن يأتي بجميعه من قِبَل نَفسه اختلاقًا ؟ وأما ما قاله مجاهد وابن جُريج في تأويل ذلك ، فلا وجه له . لأن القوم كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أصنافًا ثلاثة : أهل إيمان صحيح ، وأهل كفر صحيح ، وأهلَ نفاق بين ذلك . فأهل الإيمان كانوا بالله وبرسوله مؤمنين ، فكان من المحال أن يدّعي الكفار أن لهم شُهداء - على حقيقة ما كانوا يأتون به ، لو أتوا باختلاق من الرسالة ، ثم ادَّعوا أنه للقرآن نَظير - من المؤمنين ( 1 ) . فأما أهلُ النفاق والكفر ، فلا شكّ أنهم لو دُعُوا إلى تَحقيق الباطل وإبطال الحق لتتارعوا إليه مع كفرهم وضَلالهم ( 2 ) ، فمن أي الفريقين كانت تكون شُهداؤهم لو ادعوْا أنهم قد أتوْا بسورة من مثل القرآن ( 3 ) ؟ ولكنْ ذلك كما قال جل ثناؤه : ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) [ سورة الإسراء : 88 ] ، فأخبر جل ثناؤه في هذه الآية ، أنّ مثل القرآن لا يأتي به الجنّ والإنس ولو تظاهروا وتعاونوا على الإتيان به ، وتحدَّاهم بمعنى التوبيخ لهم في سورة البقرة فقال تعالى : " وإنْ كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إنْ كنتمْ صَادقين " . يعني بذلك : إن كنتم في شَكّ في صدق محمد فيما جاءكم به من عندي أنه من عندي ، فأتوا بسورة

--> ( 1 ) قوله " من المؤمنين " متعلق بقوله آنفًا " أن لهم شهداء . . " ، يعني شهداء من المؤمنين . ثم فصل ، لأن قوله " على حقيقة ما كانوا يأتون به . . " متعلق أيضًا ، بشهداء . ( 2 ) في المطبوعة : " لسارعوا إليه مع كفرهم وضلالهم " . وتترع إلى الشيء : تسرع إليه ، يقال في التسرع إلى الشر وما لا ينبغي . وما في المخطوطة " تتارعوا " صحيح في اشتقاق العربية ، وإن لم تذكره المعاجم ، وهو مثل تسرع وتسارع ، سواء . ( 3 ) في المطبوعة " فمن أي الفرق . . " ، وكلام الطبري استفهام واستنكار . لأن من المحال أن يشهد المؤمنون على هذا الباطل ، والكفار وأهل النفاق يتسرعون إلى الشهادة بالباطل لإبطال الحق ، فكان محالا أن يكون معنى " الشهداء " هنا : الذين يشهدون لهم ، أن ما جاءوا به نظير ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى . وصار حتما أن يكون معنى " الشهداء " : الذين يظاهرونهم ويعاونونهم ، كما جاء في الآية التالية .